أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
272
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
محذوف ، تقديره : وآتاكم شيئا من كل ما سألتموه ، وهي رأي سيبويه . و « ما » يجوز فيها أن تكون موصولة اسمية أو حرفية ، أو نكرة موصوفة ، والمصدر واقع موقع المفعول ، أي : مسئولكم ، فإن كانت مصدرية فالضمير في « سَأَلْتُمُوهُ » عائد على اللّه تعالى ، وإن كانت موصولة ، أو موصوفة كان عائدا عليها ، ولا يجوز أن يكون عائدا على اللّه تعالى ، وعائد الموصول أو الموصوف محذوف ، لأنه إما أن يقدر متصلا : سألتموهوه ، أو منفصلا سألتموه إياه . وكلاهما لا يجوز فيه الحذف لما قدمته لك أول البقرة في قوله : « وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » « 1 » . وقرأ ابن عباس ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، والحسن ، والضحاك ، وعمر بن فائد ، وقتادة ، وسلّام ، ويعقوب ، ونافع في رواية « مِنْ كُلِّ » منونة ، وفي « ما » على هذه القراءة وجهان . أحدهما : أنها نافية ، وبه بدأ الزمخشري فقال : « و « سَأَلْتُمُوهُ » نفي ، ومحله النصب على الحال ، أي : آتاكم من جميع ذلك غير سائليه » . قلت : ويكون المفعول الثاني هو الجار في قوله : « مِنْ كُلِّ » كقوله : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . والثاني : أنها موصولة ، بمعنى الذي هي المفعول الثاني ل « آتاكُمْ » . وهذا التخريج الثاني أولى ، لأن في الأول منافاة في الظاهر لقراءة العامة . قال الشيخ « 2 » : ولما أحسّ الزمخشري بظهور التنافي بين هذه القراءة وبين تلك ، قال : « ويجوز أن تكون « ما » موصولة ، على : وآتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه » . قوله : « نِعْمَتَ » في معنى المنعم به ، وختمت هذه ب « إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ » ونظيرتها في النحل ب « إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » « 3 » ، لأن في هذه تقديم قوله : « أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً » ، وبعده : « وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً » فجاء قوله : « إِنَّ الْإِنْسانَ » شاهدا يقبح من فعل ذلك ، فناسب ختمها بذلك . والتي في النحل ذكر فيها عدة تفضلات ، وبالغ فيها ، وذكره قوله : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ « 4 » ، أي : من أوجد هذه النعم السابق ذكرها كمن يقدر منها على شيء ، فذكر أيضا أنّ من جملة تفضلاته اتصافه بهاتين الصفتين . قوله : هَذَا الْبَلَدَ آمِناً . مفعولا ل « اجْعَلْ » التصييري . وقد تقدم تحريره في البقرة « 5 » . قال الزمخشري : « فإن قلت : أي فرق بن قوله : « اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً » « 6 » . وبين قوله : « هَذَا الْبَلَدَ آمِناً » ؟ قلت : قد سأل في الأول أن يجعله من جملة البلاد التي يأمن أهلها ولا يخافون ، وفي الثاني : أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن ، كأنه قال : هو بلد مخوف فاجعله آمنا . قوله : وَاجْنُبْنِي يقال : جنبه شرّا ، وأجنبه إياه ثلاثيا ورباعيا ، وهي لغة نجد . وجنّبه إياه مشددا وهي لغة الحجاز ، وهو المنع ، وأصله : من الجانب . قال الراغب : وقوله تعالى : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ من جنبته عن كذا ، أي : أبعدته منه ، وقيل : من جنبت الفرس ، كأنما سأله أن يقوده ، عن جانب الشّرك بإلطاف
--> ( 1 ) سورة البقرة آية ، ( 3 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 428 ) . ( 3 ) آية ، رقم ( 18 ) . ( 4 ) سورة النحل آية ، ( 17 ) . ( 5 ) آية ، رقم ( 126 ) . ( 6 ) انظر الآية المتقدمة .